أبي حيان الأندلسي

30

البحر المحيط في التفسير

الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمر : وإنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا ، - يعني إلى الإسلام - فأسرعوا وأبطأنا ، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد اللّه لهم في الجنة أكثر . وقرئ أكثر بالثاء المثلثة . وقال ابن عطية : وقوله : أَكْبَرُ دَرَجاتٍ ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ، ولا بد أَكْبَرُ دَرَجاتٍ من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض ، ورأى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين . وأسند الطبري في ذلك حديثا « أن أنزل أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها وقد أرضى اللّه الجميع فما يغبط أحد أحدا » . والخطاب في لا تَجْعَلْ للسامع غير الرسول . وقال الطبري وغيره : الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد لجميع الخلق . فَتَقْعُدَ قال الزمخشري : من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، بمعنى صارت . يعني فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من الذل والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له انتهى . وما ذهب إليه من استعمال فَتَقْعُدَ بمعنى فتصير لا يجوز عند أصحابنا ، وقعد عندهم بمعنى صار مقصورة على المثل ، وذهب الفراء إلى أنه يطرد جعل قعد بمعنى صار ، وجعل من ذلك قول الراجز : لا يقنع الجارية الخضاب * ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب * ويقعد الأير له لعاب وحكى الكسائي : قعد لا يسأل حاجة إلّا قضاها بمعنى صار ، فالزمخشري أخذ في الآية بقول الفراء ، والقعود هنا عبارة عن المكث أي فيمكث في الناس مَذْمُوماً مَخْذُولًا كما تقول لمن سأل عن حال شخص هو قاعد في أسوأ حال ، ومعناه ماكث ومقيم ، وسواء كان قائما أم جالسا ، وقد يراد القعود حقيقة لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا متفكرا ، وعبر بغالب حاله وهي القعود . وقيل : معنى فَتَقْعُدَ فتعجز ، والعرب تقول : ما أقعدك عن المكارم والذمّ هنا لا حق من اللّه تعالى ، ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع اللّه الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه ، والخذلان في هذا يكون بإسلام اللّه ولا يكفل له بنصر ، والمخذول الذي لا ينصره من يحب أن ينصره . وانتصب مَذْمُوماً مَخْذُولًا على الحال ، وعند الفراء والزمخشري على أنه خبر لتقعد كلا لمذكرين مثنى معنى اتفاقا مفردا لفظا عند البصريين على وزن فعل كمعى فلامه ألف منقلبة عن واو عند الأكثر ، مثنى لفظا عند